Wednesday, July 31, 2013

في الرد على الكاتب عبداللطيف الدعيج

هذا مقال قديم كُتب منذ سنة رداً على مقال كتبه الدعيج في القبس بالإمكان قراءته عبر هذا الرابط.
http://www.alqabas.com.kw/node/85910

-

يورد الكاتب عبداللطيف الدعيج في مقالته تحت عنوان " خريجوا الفرعيات ومواليد التزوير والتعديل " أفكار عدة، مهاجماً فيها بعض نواب مجلس الأمة، أو أقلية مجلس أمة 2009 و أغلبية مجلس أمة 2012 المبطل مؤخراً بسبب خطأ إجرائي في مرسوم الحل، كما أنه ينتقد طبيعه خطاب الأغلبية وإصدارها بياناً، وينتقد منها من ينتقد فكرة تعديل الدوائر، بحجة أن الدوائر قد عُدِّلت سابقاً لأسباب فوز شاكلتهم، ويتحدث عن خريجوا الفرعيات على طريقة القذافي " من أنــتم " في سرقتكم للنضال الوطني؟

شخصياًَ متابع منذ سنوات للكاتب الدعيج، أختلف وأتفق في نقاط وهذه هي طبيعة الأمور أن تتفق وتختلف، إلا أنه قد أورد في هذا المقال أموراً لا يسعني الواقع إلا أن أكتب رداً عليها مما أعتقد أنه لا يستوي والموضوعية بشيء.

من الصعب أن تجد اختلاف اثنان على النضال المحلي لرجال كالدكتور الخطيب وجاسم القطامي وسامي المنيس وأحمد السعدون المستمر بدوره، إلا أن طبيعة ما كتبه الدعيج في عملية حصر النضال الوطني في فئة دون الأخرى أمر غير مقبول، ذلك إذا ما أردناها من ناحية علمية، ثمة مشكلة علمية في مدى مشروعية استخدام وحصر كلمة "الوطنية" بقصد مدح فئة وبقصد آخر ضمني غير مباشر وأحياناً مباشر بقدح فئة أخرى في السياق الذي يورده الكاتب في مقاله، وما أعتقده من خلال دراستي وقراءتي في حقل العلوم السياسية، أن طبيعة مصطلح الوطنية عندما تُطلَق لنسب حادثة لواقعها، بمعنى القول أن فُلان كان وطنياً عندما تم إحتلال بلاده بالقوة و تحرك ضد القوات المعتدية، هذه هي الوطنية من خلال فهمي العلمي البسيط، إضافة إلى انها تعني الدفاع عن مكونات مفهوم الدولة القطرية الثلاث إذا ما تعرّضت لإعتداء بقصد الإيذاء ومكونتها هي: شعب بسيادة وسُلطة (بقصد السلطات الثلاث) وأرض! أما ما وقع فيه الكاتب الدعيج في حصره للعمل الوطني لفئة دون الأخرى بهذه الطريقة عبارة عن إسلوب غير علمي وغير منطقي أيضاً، كما أنه يتحدث (الدعيج) عن خريجوا الفرعيات ومثالبهم، ويلزم علي في البداية التوضيح بأن الإنتخابات الفرعية هي إنتخابات مخالفة للقانون ومجرمة يجب أن لا يتم العمل بها خاصة بعد  إصدار حكم المحكمة فيها مؤخراً، كما أنها تنقض طبيعة مفهوم الدولة المدنية والدولة الديمقراطية وقد تؤسس انقساماً ليس فقط على المستوى الإجتماعي إنما على حتى القائمون عليها، ولكن لا تقف الأمور عند هذه المسألة أبداً، إن القارئ للساحة الإنتخابية الكويتية، في شقيها الإجتماعي-السياسي سيجد أن أغلب المرشحون ليس لشخوصهم أي دور في إيصالهم للبرلمان، بل لعوائهم وطوائفهم وما هو داخل الطوائف من تعدد وانقسام له الدور الكبير في حسم هذا الصراع الإنتخابي، إن لا شيء يفرق الإنتخابات الفرعية من حيث الفلسفة عن إنتخاب أي شخص بناء على عائلته أو مذهبه من حيث الثقل العائلي أو المذهبي في المنطقة وهذه الشواهد والمؤشرات عليها كثيرة ، بل أن من المستحيل واقعياً على سبيل المثال أن يترشح شخصاً ليس له ثقل عائلي-طائفي في منطقة فيها تمركز طائفي بحت وصراع إنتخابي سني-شيعي وهو صاحب عقلية اكاديمية راقية لكنه ينجح في الإنتخابات لأسباب مذهبية بالضرورة، كما أن نسبة الفوز بالإنتخابات تكاد أن تكون معدومة مثلاً إذا ما ترشح شخصاً في دائرة أصلاً البحث في أسماء عوائل المرشحون وخلفياتهم وثقلهم هو القيمة الأولى والأسمى بدلاً من تقييم ما يحمل الشخص من أفكار ، فالقول مثلاً بأن إبن فلان هو المرشح بمثابة تأييد له لكونه إبن لفلان، وليس لأنه هو فلان و ما يتميز فيه من أفكار وشهادات وخبرات.. ألا يعتبر هذا متسقاً في الهدف مع الإنتخابات الفرعية ومختلفاً في الآلية؟ إن الإنتخابات الفرعية ما يفرّقها عن أي ترشيح آخر في دوائر ليست قبلية هي فقط وجود صندوق وأوراق (حسبما أعلم وكما هو معروف) لحسم غير رسمي لتوجيه وصب أصوات القبيلة الفلانية لمرشحيها أصحاب الثقل في داخل القبيلة ذاتها. إذاً بناءاً على ما ذكرت، من الواضح جداً أن لا فرق بين الإنتخابات الفرعية من حيث الفكر عن أي ذهنية إجتماعية لفئات أخرى طائفية وعائلية تكون موجودة في دوائر أخرى غير محسوبة على القبائل، وبعد كل ذلك هل من المنطقي ومن النهج العلمي أن نحصر نقدنا على خريجوا الفرعيات دون الحديث عن غيرهم؟ أهي المسألة فقط تتعلق بصندوق وأوراق لعقد إنتخابات مسبقة وغير رسمية؟ الإجابة المنطقية والمتأتية في سياق الحديث تحتم قول كلمة "لا". كما أن الكاتب الدعيج لم يذكر لنا ما أسباب وجود الإنتخابات الفرعية ومن أسسها و من سمح بها ومن كرسها؟ إن طبيعة المجتمعات المتمدنة شكلاً لا يعني أنها بالضرورة أن تكون مواتية بفكر موازي ومطابق للكامل بمفهوم الديمقراطية والمواطنة مآل سلوكها الإنتخابي والإجتماعي-السياسي سيكون هذا نمطه الدارج; إنتخابات فرعية وإنتخابات تتم بناء على معايير مذهبية وعائلية. إن المسؤول الأول عن عدم تنوير الناس وتوعيتهم فيما يتعلق بالثقافة السياسية و غرس قيم المواطنة هو توالي الحكومات من غير إهتمامها في شؤون محورية كهذه، بل أنني أشك في قدرة الحكومات على تعريف مصطلح المواطنة ولا أعرف كيف تنشد تطبيقه وهي تنقضه من خلال سياسة التوزير المبنية على التوازن الإجتماعي في الدولة وكأننا في دولة متقاسمة كلياً و تعاني من حروباً أهلية، فالحكومات كانت ولازالت تأخذ بمبدأ المحاصصة الإجتماعية في وزرائها، و هي في نفس الوقت بهذا الفعل تنقض ضمناً وبشكل مباشر وتخرق مفهوم المواطنة القائم على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص. إذاً بناء على ما سبق ذكره، إن الإنتخابات الفرعية كآلية وفكر لا تختلف عن الإنتخابات الطائفية والمذهبية والعائلية و المسبب الأول لها هو إهمال الحكومة وأود أن أضيف إهمال مؤسسات المجتمع المدني فيها بشكل كبير، بالتالي يقع اللوم الأكبر ليس على فاعليها إنما على مهمليها، كما أن الدعيج تغافل بقصد أو بغير قصد أن ثمة تطوراً حدث في الإنتخابات الأخيرة وهذا واضح بالنسبة للمتابع للساحة الإنتخابية وعلى مستوى أبناء القبائل أن ثمة وعياً قد حدث وإنحسرت الإنتخابات الفرعية كثيراً عن ما كانت عليه في السابق لعدة أسباب، إلا أن الوعي الإنتخابي قد زاد وليست الإنتخابات الفرعية هي كما كانت عليه قبل عدة سنوات لكن الكاتب الدعيج لم يذكر هذا من لا قريب ولا بعيد بل تحدث و كأن الكويت ليس فيها إلا إنتخابات فرعية وهي رأس المشكلات.

أما فيما يتعلق برفع راية الوطنية والنضال الوطني المحتكر منذ سنوات على جماعة دون الأخرى، و نقد من يرفعها حالياً هو كلام أيضاً لا أرى فيه من الموضوعية شيء، قلت أن حصر عملية الوطنية وحكرها بهذه الطريقة هو أمر غير علمي وغير منطقي بل وغير إنساني، أين المشكلة في أن يحمل تلك الراية من يختلف معك بالفكر؟ إذا ما سلمّنا بفلسفة الكاتب الدعيج فيما ذكره في هذا السياق، وأسقطناه كمثال يُضرَب ولا يُقاس بالضرورة على الحالة الآتية : "نائب (من نتاج  إنتخابات فرعية) في مجلس الأمة يستجوب وزير على ملفات فساد واضحة لا لبس فيها والدليل ثابت عليه."  سيكون الموقف المنطقي بناء على فلسفة الدعيج المذكوره أعلاه في شأن إتخاذ موقف من هذا الإستجواب هو أحد الحالتين : 1- إما الوقوف ضد الإستجواب بغض النظر عن نتائجه فمقدمهُ خريج إنتخابات فرعية وهذا سبب كاف لرفضه. 2- إما الإمتناع في إتخاذ موقف و القيام فقط بإبداء الرأي في هذا الموضوع، على أن النائب المُستجوِب خريج إنتخابات فرعية والوزير فاسد لا يمكن بأي حال من الأحوال بسبب فساده الواضح الدفاع عنه. أهم مثلب لمنطق وفلسفة يتبناها الكاتب الدعيج كهذه هو أنها تفتقد للموضوعية، فربط المواضيع بهذه الطريقة ليس وسيلة إيجابية ولا تأتي بالنتائج، أقصد ربط أنه خريج إنتخابات فرعية ومستجوِب، قد يقول قائل كيف لخارق القانون الحديث عن الفساد؟ إلا أن المسألة برأيي ليست كذلك، الفصل بين المواضيع يجب أن يكون هو الحاسم، وتجزئة المواضيع بناء على سياقها وحيثياتها هو الأفضل، إضافة لمثلب آخر في فلسفة الدعيج، هو أنها لا تقدم أصلاً أي نوع من أنواع الحلول، إذ تقّدم رأياً فقط وباباً مسدود، الإثنان فاسدين; إذاً لا موقف لي!! إن هذا المنطق وهكذا فلسفة لا يتبناها الدعيج فقط إنما الكثيرين في طرحهم وهم أحرار فيه بلا شك، إلا أنني أرى أنها من أكثر الأفكار فاقدة للموضوعية والمنطق في تقييم الأمور وأبعادها، من جانب آخر في نفس الموضوع، حكر راية الوطنية لفئة، هو أن ليس ذنباً لمن يحملها الآن أن حامليها لم يأتوا بأجيال يسلموهم تلك الراية خوفاً من سرقتها، بل أصبحت ملقاة على الأرض، ورفعوها آخرين، هل المشكلة إذاً بالمُلقي أم بمن أخذها وتبناها؟

نقطة أخرى ينبغي التوقف عندها لأهميتها وهي في نفس السياق، حكر راية الوطنية والنضال الوطني، إن قراءة أي دراسة علمية حول ظواهر التغيير السياسي والإجتماعي بشكل متسلسل تاريخياً إلى الحاضر لا تجد فيه حجّة الدعيج في دعمه للقوى الوطنية بهذه الطريقة، إن الدراسات العلمية في الحراك السياسي الداخلي لا تُخضِع عقول الأشخاص للتقييم غير المبني على أسس علمية ومن ثم تقرر ما إذا كانت مواقفهم صحيحة أم خاطئة بهذه الطريقة، لصعوبة ذلك التقييم وقياس عقول الناس ومن يتحرك ليطالب بمطالب مشروعة قانونياً وإنسانياً وحقوقياً بل ولإنعدام حجيتها، و فلسفة الدعيج ومنطقه مرة أخرى، يجانب المنطق والموضوعية، فإذا ما أسقطناه مجدداً على مثال آخر يُضرَب ولا يُقاس سيأتي هكذا " الدعيج يرى بأن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يطالب من لا يؤمن بالمواطنة وبشكل كامل أن يطالب بالديمقراطية وإسقاط الفساد المتجلي الواضح، ويستقصد حدس (إخوان مسلمين الكويت) وخريجي الإنتخابات الفرعية، علماً بأن الحراك لم يكون محصوراً على هذين التكتلين، بل شمل باقي الكتل السياسية وأغلبها في الكويت، سيكون الوضع إذا ما طبقناه على حالة الحراكات الشعبية العربية المسماة بالثورات والربيع العربي، وفقاً لمنطق الدعيج، أن تلك الثورات وإن كانت مطالبها مستحقة لكنها  لا يجب أن تكون وتحقق لسبب بسيط وهو غياب الثقافة السياسية ومفهوم المواطنة في أذهان مطالبيها، فهل يعتقد الدعيج أن غالبية الشعب المصري المغلوب على أمره و خروج البسطاء في إسقاطهم لمحمد حسني مبارك كان يعني أنهم حاملين لثقافة سياسية مدنية و إيمان كامل بمفهوم المواطنة؟ وينطبق هذا على حالات عدة دول عربية أخرى، وكنتيجة لفلسفة الدعيج، إذاً أي حراك شعبي لا يجب أن يكون يتحقق ما لم يكن حامله مؤمناً بالوطنية، وهذا المنطق الذي يتبناه الدعيج ليس فقط لا يتسق مع الواقع، بل مع المنطق أيضاً! " إن الشعوب عندما تتحرك وعندما تطالب بشيء لا تتحرك بالعقول بالضرورة، إنما تتحرك لما تحتاجه و لتعويض ما تفقده خلال عدة مطالبات، إن الفساد إذا ما وصل لحالة سكين تخرق العظم هو حالة لا يمكن بأي حال من الأحوال إخراس الناس عنها بحجة أن من يقودوكم غير وطنيين، هل هناك إعتقاد بأن الناس ستنتظر خروج الوطنيين المرضي عنهم حتى تطالب بما تطالب به؟ هل بالضرورة من يطالب يجب أن يكون له ضوء أخضر وإذن خطي من جماعة لها كامل الإحترام والتقدير تُحتكر الوطنية فيها وتغيب ثم لا تُلام على غيابها ثم يُلام من يأتي بعدها؟

إضافة لما سبق ذكره، الكاتب الدعيج تجاهل في ذكره للحراك الأخير أنه ضم كل أطياف المجتمع، وحصره على خريجوا فرعيات و تنظيم حدس الإخواني في الكويت، علماً بأنه ضم الجميع، فيبدو لنا أن لا موضوعية ترتجى هنا.

-انتهى-

No comments: